نظر الإنسان إلى السماء قروناً طويلة، رصد المجرّات البعيدة، وحسب مسافات تُقاس بالسنين الضوئية، وبنى تلسكوبات ترى حافة الكون المنظور بدقة متناهية. ومع كل هذا التقدّم الفلكي المذهل، ظلّت أقرب التضاريس إلينا، تلك الكامنة داخل جمجمتنا نحن، أكثر غموضاً من أبعد نجم في السماء. هذا التناقض هو ما يضعه الباحثون اليوم أمامنا في صيغة سؤال بسيط وموجع في آن واحد: لماذا تبقى الخريطة الداخلية لرؤوسنا لغزاً، بينما رسمنا خرائط الفضاء الخارجي بهذه الدقة؟ بدأت الإجابة تتشكّل أخيراً بفضل مشروع علمي ضخم استطاع، للمرة الأولى في التاريخ، أن يرسم خريطة كاملة لمليمتر مكعّب واحد فقط من قشرة الدماغ البشري (Cerebral Cortex)، عيّنة لا يتجاوز حجمها نصف حبة أرز، لكنها كشفت عن تعقيد يفوق كل التوقعات السابقة.
الجبهة الأخيرة للدماغ: حين تكون الأفكار أبعد منالاً من النجوم
يحب علماء الأعصاب (Neuroscientists) أن يصفوا ما يفعلونه بمصطلحات الفلك نفسها: الاستكشاف، رسم الخرائط، اكتشاف عوالم لم تُرَ من قبل. فإذا وضع أحدهم عدسة مكبّرة على سطح الدماغ، فإن ما يظهر تحتها ليس أبسط من خريطة نجمية، بل هو شبكة متشابكة من الخلايا العصبية (Neurons) تتفرّع وتتقاطع بكثافة تتجاوز أي مجرّة رسمها الإنسان حتى الآن. هذه المفارقة هي جوهر الفكرة التي ينطلق منها العلماء في هذا المشروع: الحدود الحقيقية للاستكشاف لم تعد فقط في أعماق الفضاء، بل في أعماق الجمجمة، في تلك الطبقات الدقيقة من النسيج العصبي التي لا تزال، حتى اليوم، أرضاً مجهولة بمعظمها.
رسم خريطة مليمتر واحد: ثمرة تعاون بين هارفارد وجوجل
من هذا المنطلق، تعاون مختبر ليشتمان (Lichtman Lab) في جامعة هارفارد مع فريق أبحاث الترابط العصبي (Connectomics) في جوجل على مشروع حمل اسم "إتش زيرو وان" (H01 Project)، واستخدم فيه الباحثون عيّنة جراحية من نسيج قشرة الدماغ البشري لا يتجاوز حجمها مليمتراً مكعّباً واحداً (1 mm³). ورغم صغر هذه العيّنة الذي يكاد يكون غير ملموس، فقد ضمّت في داخلها نحو سبعة وخمسين ألف خلية (~57,000 Cells)، وما يقارب مائة وخمسين مليون نقطة تشابك عصبي (~150 Million Synapses)، وهو الرقم الذي يصف عدد الوصلات الدقيقة التي تتبادل من خلالها الخلايا العصبية إشاراتها. ولترجمة هذا الكمّ الهائل من التفاصيل إلى صور رقمية قابلة للدراسة، تطلّب الأمر إنتاج كمّية بيانات بلغت 1.4 بيتابايت (Petabyte)، حجم يصف الباحثون مثيله بأنه يساوي ما يحتاجه بث فيديو متواصل دون توقف لمدة مئة وخمسين عاماً كاملة. نُشرت نتائج هذا العمل في مجلة "ساينس" (Science) العلمية في مايو 2024، في واحدة من أكثر الدراسات تفصيلاً التي أُجريت على النسيج العصبي البشري حتى الآن.
![]() |
| رسم توضيحي للخلايا العصبية داخل الدماغ البشري |
لغز البيتابايت: كيف تُبنى خريطة رقمية من نسيج حيّ
لم يكن تحويل قطعة نسيج دماغي إلى خريطة رقمية ثلاثية الأبعاد عملية بسيطة، بل احتاج إلى تسلسل دقيق من أربع خطوات متتابعة. بدأت العملية بتقطيع العيّنة إلى ما يزيد على خمسة آلاف وتسعة عشر شريحة فائقة الرقّة، كل واحدة منها أرقّ من أن تُلمس أو تُرى بالعين المجرّدة. ثم جاءت خطوة التصوير، حيث جرى تصوير كل شريحة بواسطة مجهر إلكتروني فائق السرعة متعدد الحزم (Multibeam Electron Microscope)، قادر على تسجيل التفاصيل عند مستوى النانومتر. وبعد ذلك، احتاج الباحثون إلى مواءمة نحو مائة وستة وتسعين مليون قطعة صورة منفصلة وخياطتها حاسوبياً بعضها إلى بعض، لتصحيح الانزياحات والتشوّهات الطفيفة بين الصور المتتابعة، وتحويلها من مجموعة صور مشوّشة ومرتجّة إلى حجم ثلاثي الأبعاد متماسك ودقيق.
وفي الخطوة الأخيرة، تدخّلت خوارزميات الذكاء الاصطناعي (AI) لتقوم بما يشبه "تعمير" كل خلية على حدة، عبر اكتشاف حدودها وتصحيح أخطاء الدمج والفصل بين الأجزاء المتشابهة، حتى اكتملت إعادة بناء الحجم الكامل في صورة ثلاثية الأبعاد، خلية بخلية.
اكتشافات مفاجئة: ما الذي يختبئ في مليمتر واحد
حين بدأ الباحثون يفحصون هذه الخريطة المكتملة، وجدوا أمامهم نتائج تتحدّى افتراضات قديمة ظنّ العلماء أنها مستقرة منذ زمن طويل. فبدلاً من التكافؤ التقريبي الذي كان يُفترض بين الخلايا العصبية والخلايا الداعمة المعروفة بالخلايا الدبقية (Glial Cells)، تبيّن أن هذه الخلايا الداعمة تفوق الخلايا العصبية عدداً بنسبة اثنين إلى واحد. والأغرب من ذلك أن الخلية الأكثر شيوعاً في العيّنة كلها لم تكن خلية عصبية على الإطلاق، بل خلية قليلة التغصّن (Oligodendrocyte)، وهي الخلية المسؤولة عن إنتاج الغلاف العازل المعروف بالميالين (Myelin) الذي يحيط بالألياف العصبية. كما تبيّن أن كثافة الخلايا العصبية الفعلية (Neuron Density) كانت أقل مما كانت التقديرات السابقة تشير إليه، في مراجعة دفعت الباحثين إلى تعديل فهمهم لبنية القشرة الدماغية البشرية.
لكن أكثر ما أثار حيرة الباحثين كان نمطين محدّدين من الترابط العصبي. أولهما مجموعة من الخلايا العصبية في الطبقة السادسة (Layer 6)، وهي أعمق طبقات القشرة الدماغية، بدت وكأنها تنتظم في مجموعتين تتجهان في اتجاهين متعاكسين، بصورة تشبه صورة المرآة، وكأن لكل مجموعة "بوصلتها" الخاصة، وهو ما دعا الباحثين إلى تسميتها بـ "الخلايا البوصلة" (Compass Neurons). وقد وصف الباحثون هذا النمط الموجّه بأنه "يحمل ما يُشعر بوجود قصدية" (Suggestive of Intentionality)، أي أنه لا يبدو ترتيباً عشوائياً، رغم أن وظيفته الحقيقية ما تزال غير معروفة.
والاكتشاف الثاني كان وجود محور عصبي واحد (Axon) يكوّن وحده ثلاثاً وخمسين نقطة تشابك (53 Synapses) مع خلية واحدة فقط من الخلايا المستهدفة، وهو رقم استثنائي إذا ما قورن بالقاعدة المعتادة التي لا تتجاوز فيها أغلب الأزواج العصبية عدداً قليلاً جداً من نقاط التشابك. أطلق الباحثون على هذا النوع من الترابط الفائق القوة اسم "الوصلة الخارقة" (Super-connection)، باعتباره أحد أقوى الترابطات الفردية التي وُثّقت في نسيج عصبي بشري حتى الآن.
أطلس مفتوح للعالم
بعد هذا الجهد الهائل في التصوير والمواءمة وإعادة البناء، لم يحتفظ الفريقان في هارفارد وجوجل بهذه الخريطة كأرشيف مغلق داخل مختبراتهما، بل أتاحوا البيانات بأكملها للعموم عبر أدوات استعراض مفتوحة، بحيث يستطيع أي باحث في أي مكان من العالم أن يستكشف هذه الخريطة العصبية (Connectome) مباشرة، ويبني على نتائجها، ويبحث فيها لأغراضه الخاصة، دون أن يضطر إلى تكرار سنوات من التصوير والحساب التي استُهلكت في بنائها أصلاً.
خاتمة: مليمتر واحد، وأسرار لا تزال في الانتظار
تجدر الإشارة إلى أن هذا المليمتر المكعّب الواحد، رغم كل ما كشفه من تفاصيل، لا يمثّل أكثر من جزء من المليون من حجم الدماغ البشري الكامل. وهذا ما يجعل السؤال الذي يطرحه هذا المشروع في نهاية المطاف سؤالاً يستحق التوقف عنده طويلاً: إذا كان مليمتر واحد فقط يحمل هذا القدر من التعقيد، وهذا الكمّ من المفاجآت التي اضطرت العلماء إلى مراجعة افتراضات راسخة منذ عقود، فماذا يخفي إذن ما تبقّى من النسيج، أي ما يقارب لتراً وربع اللتر من الدماغ البشري الكامل؟ ربما رسم الإنسان خرائط لأبعد المجرّات، لكن الكون المطوي خلف عينيه لا يزال يحمل أرضاً مجهولة أوسع من الفضاء الخارجي نفسه.
المصادر العلمية
- Shapson-Coe, A. et al. — A petavoxel fragment of human cerebral cortex reconstructed at nanoscale resolution. Science, May 2024.
- Harvard Gazette — Researchers publish largest-ever dataset of neural connections
- H01 Release — A Browsable Petascale Reconstruction of the Human Cortex
.png)
